روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
86
عرائس البيان في حقائق القرآن
[ سورة يونس ( 10 ) : آية 48 ] وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 48 ) [ تفسير الآية 44 ] ثم بيّن سبحانه أن ما يجري في الأكوان من الأمر والقضاء والطاعة والمعصية والكفر والإسلام هو ما جرى في الأزل بأقلام الأقدار على ألواح الأحكام السابقة بمشيئة اللّه وإرادته القائمة بذاته ، وفيما قسم في الأزل لخلقه كان حكما عليما حكيما لم يظلم في ذلك ؛ حيث اختار قوما بالولاية والنبوة ، وألزم قوما الكفر والضلالة ؛ لأنه مالك الملك يتصرف في ملكه كما يشاء بقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً : لا يظلم على الكافر والمطرود إذا عاقبهم ؛ فإنهم مخلوقون في الأزل لقهره لا للطفه ، ولا يظلم على أهل لطفه ؛ حيث يربيهم بلطائف مشاهدته بأقدار حواصلهم ، ثم أعلمنا أن تلك الطائفتين السعداء والأشقياء يظلمون بأنفسهم بقوله : وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ : ظلم سعداء المعرفة والمحبة على أنفسهم أنهم يريدون أن يدركوا الحق بحقيقة أزليته ، وهم إلى إدراك كنهه ، وهو تعالى عالم بعجز الحدث عن حمل وارد القدم كما هو ، فيريهم ما يطيقون من نفسه ، ولو يريهم من حقائقه ذرة يهلكون في أول بوادي سطواتها ، وظلم استفناء الكفر طلب الربوبية من أهل العبودية . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 49 إلى 52 ] قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 49 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ( 50 ) أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ( 51 ) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 52 ) [ تفسير الآية 49 ] قال الواسطي في هذه الآية : لا يتجلى لهم بحقه ؛ فإن ذلك ظلم ؛ لأن الخلق لا يحتملونه ، بل فيه ذهابهم ، ويستحيل أن يكون لهم من القوة ما يطيقون بحقه ؛ إذ في ذلك مساواة ومقارنة « 1 » . قوله تعالى : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ : أخبر عن عين
--> ( 1 ) قال شيخنا البوزيدي رضي اللّه عنه : زينة اللّه التي أظهر لعباده هي لباس المعرفة ، وهو نور التجلي ، والطيبات من الرزق هي حلاوة الشهود . وهي لمن كمل إيمانه وصدقه في الحياة الدنيا ، وتصفو له إلى يوم القيامة ، فهي حلال على أهل التجريد ؛ يتمتعون بها في الدارين ، وإنما حرّم عليهم ما يشغلهم عن ربهم من جهة الظاهر ، وما يقطعهم عن شهوده من جهة الباطن ، وسوء الأدب مع اللّه ، والتعرض لعباد اللّه ، والشرك باللّه ؛ بأن يشهدوا معه سواه ، وأن يقولوا على اللّه ما يوهم نقصا أو خللا في أنوار جماله وسناه . البحر المديد ( 2 / 245 ) .